سلطت مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية، الضوء حول الواقع الراهن لجماعات "الإسلام السياسي" بالشرق الأوسط في ظل ما تتعرض له وما تعانيه من حصار يستهدف القضاء عليها، وانعكاسات ذلك على أوضاعها المستقبلية. 

 

وأضافت في تحليل للدكتور محمد أيوب، الأستاذ الفخري في العلاقات الدولية بجامعة ميشيجان، أن المظالم التي غذت الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط لم تنته بعد بأي حال من الأحوال.

 

وأشارت إلى أن الدمار الذي لحق بإيران وضعف حلفائها "حزب الله" و"حماس" أدى إلى إعادة طرح التساؤل حول قوة الإسلام السياسي وأهميته كأيديولوجية في الشرق الأوسط. 

 

وخلص العديد من المحللين إلى أن القوى الإسلامية في المنطقة في حالة انحدار نهائي، لكن التحليل قال إن هذا التقييم قد يكون متسرعًا، إذ لا يأخذ في الحسبان الظروف والتطلعات المجتمعية الكامنة التي جعلت الإسلام السياسي جذابًا لمختلف شرائح المجتمع في الشرق الأوسط وبقية العالم الإسلامي. 

 

استعادة الحكم الإسلامي وأزمات المنطقة 

 

وتابع: "على مدى نصف قرن تقريبًا، بدا الإسلام السياسي وكأنه المنافس الأيديولوجي المهيمن للأنظمة السياسية الاستبدادية في المنطقة (سواء كانت ملكية تقليدية أو علمانية قومية)، وغالبًا ما كان يحظى بدعم القوى الغربية. فمنذ صعود جماعة الإخوان المسلمين وحتى الثورة الإيرانية، ومن حماس إلى تنظيم الدولة الإسلامية، وعدت الحركات الإسلامية بأن استعادة الحكم الإسلامي كفيلة بحل الأزمات السياسية والاقتصادية والأخلاقية التي تعصف بالمنطقة. وكان شعار جماعة الإخوان المسلمين الأكثر شيوعًا هو ببساطة: "الإسلام هو الحل".

 

غير أنه وبحسب التحليل، "اليوم، تبددت تلك الثقة إلى حد كبير. فانهيار الحكومات الإسلامية عقب الربيع العربي، والهزيمة العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية، والاعتدال الأيديولوجي للحكام الجدد في سوريا، وضعف مكانة إيران الإقليمية، كلها تشير إلى تحول عميق. لكن إعلان نهاية الإسلام السياسي سابق لأوانه. فما يتلاشى ليس الدين في السياسة، بل نموذج محدد للحكم الإسلامي".

 

وعلى ضوء هذا الاستنتاج، أشار التحليل إلى أنه "لا تزال التطلعات العميقة التي غذّت الإسلام السياسي- الكرامة، والعدالة، والاستقلال الذاتي، ومقاومة الهيمنة الأجنبية - راسخةً بقوة. وقد أساء المحللون الغربيون فهم الإسلام السياسي في كثير من الأحيان، إذ اختزلوه إلى مجرد مطلب لتطبيق الشريعة الإسلامية التقليدية. صحيح أن هذا كان أحد مكونات الفكر الإسلامي، لكنه نادرًا ما كان السبب الرئيس وراء دعم الملايين للحركات الإسلامية".

 

واوضح: "لم يعتمد الإخوان المسلمون على الحجج اللاهوتية لكسب التأييد بقدر ما اعتمدوا على المدارس والعيادات وشبكات الرعاية الاجتماعية ومعارضة الحكومات الاستبدادية الفاسدة. وجمعت حماس بين الشرعية الدينية والقومية الفلسطينية. حتى ثورة إيران عام 1979 نجحت لأنها وحدت رجال الدين والليبراليين واليساريين وتجار البازار والطلاب ضد نظام بهلوي والنفوذ الأجنبي. وفي أعقاب الهجمات الأخيرة على إيران، يجد النظام الإسلامي دعمه في عودة ظهور القومية الإيرانية أكثر من الحماس الديني". 

 

صعود الإسلام السياسي في السبعينات 

 

وفقًا للتحليل، "أصبح الإسلام السياسي جذابًا في الشرق الأوسط بحلول سبعينيات القرن العشرين، نظرًا لفشل الأنظمة العلمانية الاستبدادية في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المنطقة. فقد وصل النظام الاشتراكي العربي إلى حالة من الركود، وهُزمت الأحزاب الليبرالية، وازدادت الأنظمة العسكرية فسادًا واعتمادًا على الدعم الخارجي. وقدّم الإسلاميون، عندما كانوا في صفوف المعارضة، حلولًا لحكومة نزيهة، وعدالة اجتماعية، وكرامة وطنية".

 

في السياق، استعاد التحليل أجواء الربيع العربي التي شهدتها المنطقة قبل سنوات، قائلاً: "بدا الربيع العربي لفترة وجيزة وكأنه يُؤكد هذا الوعد. ففي مصر، فاز الإخوان المسلمون بأول انتخابات تنافسية حقيقية في البلاد. وفي تونس، أصبحت حركة النهضة القوة السياسية المهيمنة، مُقدمةً نفسها على أنها متوافقة مع السياسة الديمقراطية. وبدا أن الأحزاب الإسلامية على وشك أن ترث شرق أوسط جديد. لكنها، بدلاً من ذلك، أظهرت حدود السياسة الأيديولوجية".

 

جماعة "الإخوان المسلمين"

 

في مصر، رأى التحليل أن جماعة "الإخوان المسلمين" أثبتت عجزها عن حكم مجتمع شديد الاستقطاب، وعن طمأنة المعارضين العلمانيين والأقليات ومؤسسات الدولة. ومع عودة الجيش إلى السلطة، انتهت التجربة، لكن الجماعة كانت قد فقدت بالفعل جزءًا كبيرًا من التحالف الواسع، وبالتالي فقدت بريقها الذي أوصلها إلى الحكم، حسب زعمه.

 

في حين رأى أن تونس سلكت مسارًا مختلفًا، ولكنه لا يقل دلالة، إذ تخلت حركة النهضة تدريجيًا عن العديد من طموحاتها الإسلامية، مقدمةً نفسها كحركة "ديمقراطية إسلامية" تُضاهي الديمقراطيين المسيحيين الأوروبيين. ومع ذلك، لم يفلح الاعتدال في حماية الديمقراطية أو الحزب نفسه. انصبّ استياء الشعب بشكل أقل على المسائل الأيديولوجية، وأكثر على البطالة والتضخم والفساد وسوء الإدارة. كان الدرس واضحًا لا لبس فيه: فقد أثبت الفوز بالانتخابات أنه أسهل من حكم مجتمعات منقسمة مثقلة بمؤسسات ضعيفة واقتصادات متدهورة.

 

وصف التحليل تجربة تنظيم الدولة الإسلامية بأنها تمثل تجربةً مختلفةً تمامًا. فقد سعى إلى بناء أكثر نسخ الدولة الإسلامية تشددًا في التاريخ الحديث، مستخدمًا القوة الغاشمة. اجتذب نجاحه الوحشي والمذهل لفترة وجيزة مجندين من شتى أنحاء العالم، لكن انهياره المروع كشف إفلاس نظام حكم قائم بشكل شبه حصري على الإكراه والتعصب الديني. لم تكن هزيمته عسكرية فحسب، بل كانت أيضًا أيديولوجية، وقلّما رغب المسلمون في العيش تحت حكم كهذا حالما انكشفت حقيقته.

 

وقالت المجلة الأمريكية: "كان تطور القيادة الإسلامية في سوريا لافتًا للنظر أيضًا. فبعد أن انبثقت من إحدى أكثر الحركات الجهادية تشددًا في العالم، بات حكام سوريا الجدد يركزون بشكل متزايد على النظام وإعادة الإعمار والدبلوماسية والشرعية الدولية بدلاً من فرض أجندة إسلامية متشددة بشكل فوري. ويبقى من غير المؤكد ما إذا كان هذا الاعتدال سيستمر أم لا. لكن هذا التحول بحد ذاته ذو دلالة كبيرة، فهو يعكس إدراكًا بأن القبول الدولي والتعافي الاقتصادي والاستقرار الداخلي تتطلب براغماتية أيديولوجية بدلاً من نقاء ثوري".

 

إيران.. الحالة الأكثر أهمية

 

بينما رأى التحليل أن إيران تمثل الحالة الأكثر أهمية، "فعلى مدى عقود، قدمت الجمهورية الإسلامية نفسها كنموذج ناجح للإسلام السياسي الثوري. ومن خلال حزب الله، والميليشيات العراقية، وحماس، وغيرها من الحركات المتحالفة، بنت طهران ما وصفته بفخر بـ "محور المقاومة".

 

وقال: "أدت الأحداث الأخيرة إلى إضعاف تلك الرؤية بشكلٍ كبير. فقد أدت سنوات من العقوبات، والتدهور الاقتصادي، والاضطرابات الداخلية، والنكسات الإقليمية، والخسائر العسكرية الفادحة إلى تقليص نفوذ إيران الإقليمي بشكلٍ ملحوظ. وحتى لو استمرت الجمهورية الإسلامية داخليًا، فقد تضاءلت جاذبيتها الثورية بشكلٍ كبير. وقلّما تنظر أي حركة اليوم إلى طهران كنموذجٍ جذاب للحكم".

 

مع ذلك، أكد التحليل أنه لا ينبغي الخلط بين هذه النكسات واختفاء المظالم التي كانت في الأصل مصدر قوة للحركات الإسلامية. لم يكن المطلب الأساسي للربيع العربي إقامة الشريعة الإسلامية، بل كان الكرامة.

 

وأشار إلى أن الشباب العربي طالب بحكومة خاضعة للمساءلة، وفرص اقتصادية، والتحرر من الفساد، والاستقلال الوطني. وقد جسّد شعار "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية" تطلعاتٍ تجاوزت الأيديولوجيا، ونجح الإسلاميون لأنهم بدوا قادرين على تحقيق هذه الأهداف بعد فشل النخب الفاسدة والسلطوية في ذلك.

 

واعتبر أن تراجعهم يعكس خيبة أمل من أدائهم لا رفضًا لتلك التطلعات. وهذا التمييز يحمل دلالات مهمة، فقد نظر صناع السياسات الغربيون في كثير من الأحيان إلى الإسلام السياسي من منظور ديني أو أمني في المقام الأول.

 

الكرامة والعدالة والحكم الرشيد

 

لكن السؤال الأهم يختلف تمامًا: هل تستطيع الأنظمة السياسية توفير الكرامة والعدالة والحكم الرشيد؟ 

 

ومضى التحليل إلى القول: "طالما بقيت الحكومات فاسدة، استبدادية، راكدة اقتصاديًا، ومعتمدة على الدعم الخارجي، ستظهر حتمًا أشكال جديدة من الحراك السياسي. قد لا تشبه هذه الأشكال جماعة الإخوان المسلمين أو النموذج الثوري الإيراني، وقد تكون أقرب إلى القومية منها إلى الدينية، أو إلى الشعبوية منها إلى الأيديولوجية، أو قد تمزج بين القيم الإسلامية والسياسة الديمقراطية. إلا أن المطلب الأساسي سيبقى كما هو".

 

لذا، رأى أن "التراجع الظاهر للإسلام السياسي لا يُمثل انتصارًا لليبرالية العلمانية ولا للاستبداد الموالي للغرب، بل يُشير إلى استنفاد نموذج تاريخي واحد. من المرجح أن يكون المستقبل لحركات تستقي بشكل انتقائي من القيم الإسلامية، مع التركيز بشكل أكبر على الشرعية الديمقراطية، والكفاءة، والقومية، والأداء الاقتصادي، وفعالية الدولة. قد يبقى الدين مصدرًا مهمًا للشرعية، ولكن بشكل متزايد كعنصر ضمن مشاريع سياسية أوسع نطاقًا، وليس كمبدأ تنظيمي حصري للدولة".

 

السياسة الأمريكية

 

بالنسبة للسياسة الأمريكية، قال التحليل إن هذا التحول يُتيح فرصًا ويُثير مخاوف في آنٍ واحد. ينبغي على واشنطن مقاومة إغراء تفسير تراجع الحركات الإسلامية التقليدية كدليل على انتصار الاستقرار السلطوي في نهاية المطاف. إن قمع تيار أيديولوجي ما لا يُزيل المظالم التي أدت إلى ظهوره.

 

وبنفس القدر من الأهمية، يوصي التحليل الولايات المتحدة يتجنب التعامل مع جميع الحركات الإسلامية النشطة سياسيًا على أنها متطابقة. فالاختلافات بين الإسلاميين الديمقراطيين، والأحزاب الإسلامية القومية، والمنظمات الجهادية العابرة للحدود، جوهرية. وقد أدت السياسات التي تجمعهم معًا إلى إخفاقات استراتيجية متكررة.

 

في جوهر الأمر، قال إنه "ينبغي لصناع السياسة الأمريكيين أن يدركوا أن الصراع السياسي المحوري في الشرق الأوسط يدور حول الشرعية. فالحكومات التي توفر الكرامة والمساءلة والفرص الاقتصادية والاستقلال الذاتي الوطني، من المرجح أن تحظى بدعم شعبي دائم، بغض النظر عما إذا كانت تُعرّف نفسها بأنها علمانية أو إسلامية. أما الحكومات التي تفشل في هذه الجوانب، فستظل تواجه تحديات، حتى وإن تراجع الإسلام السياسي بمفهومه التقليدي تدريجيًا. قد يكون عصر الإسلام السياسي الثوري يقترب من نهايته بالفعل، لكن السعي وراء الكرامة الذي أتاح ذلك لم ينتهِ بعد".

 

https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/the-end-of-political-islam-not-quite